السعيد شنوقة

402

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

قال : إن الله أراداها بأن خلّى بين العباد وبينها » « 1 » . وذهبوا إلى أن الله سبحانه لم يرد الفتنة من أحد ، وإنما أراد من كل العباد الإيمان وطهارة القلب ، وبأن ما يحدث من فتن إنما هو على خلاف إرادته . ورأوا كذلك بأنه من عدل الله ألا يمنح ألطافه إلا لمؤمن أما الضال المصرّ على الكفر فإن الله يتركه مفتونا وخذلانه ، وحين تعارض هذا المفهوم مع ظاهر قوله عز وجل : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ [ المائدة : 41 ] جعلها الزمخشري متشابهة وردّ معناها إلى آيتين محكمتين يوافق ظاهرهما ما ذهب إليه . قال : « أولئك الذين لم يرد الله » أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم لأنهم ليسوا من أهلها لعلمه أنها لا تنفع فيهم ولا تنجع « 2 » إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ [ النحل : 104 ] كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ [ آل عمران : 86 ] فرغم تقرير الآية في صراحة أن الله تعالى يريد فتنة العصاة . . . ولا يريد أن يطهّر قلوبهم ومن أنهم عصاة بإرادته وتقديره ، فإن الزمخشري عدّ هذا الحسم النصّيّ ظاهريا لا ينبغي أن يتأثر به ، لذا رد معنى الآية باعتبارها متشابهة إلى آيتين محكمتين ؛ ومن ثم فإن في قوله : « تركه مفتونا وخذلانه » ما يفهم منه أن " الفتنة نفسها غير صادرة عن الله " « 3 » تعالى . ولا ريب في أن صراحة هذا النص يريح مفسري أهل السنة الذين رد بعضهم على الزمخشري بأن الله سبحانه أراد الفتنة من المفتونين ولم يرد أن يظهر قلوبهم من دنس الفتنة ووضر الكفر « 4 » . ويفسر الزمخشري على قاعدة التحسين والتقبيح قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [ التوبة : 115 ] قال : « يعني ما أمر الله باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه . وبين أنه محظور لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام ، ولا يسميهم ضلالا ، ولا يخذلهم إلا إذا

--> ( 1 ) الأشعري ، مقالات الإسلاميين ، تحقيق هلموت ريتر ، ط 3 ، ص ، 228 وكذا م ن ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، ج 1 ، ص 267 - 266 . ( 2 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 615 . ( 3 ) جولد زيهر ، مذاهب التفسير الإسلامي ، ص 176 . ( 4 ) انظر الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص ، 614 .